الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
248
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والحواجز ، فلا هم يسمعون حقيقة من الحقائق ، ولا هم يدركون الأمور إدراكا صحيحا . سبق أن قلنا مرارا أن نسبة هذه الأمور إلى الله ، إنما هو إشارة إلى قانون " العلة والمعلول " وخاصية " العمل " ، أي أن أثر الاستمرار في الانحراف والإصرار على المعاندة والتشاؤم يظهر في اتصاف نفس الإنسان بهذه المؤثرات ، وفي تحولها إلى مثل المرآة المعوجة التي تعكس صور الأشياء معوجة منحرفة ، لقد أثبتت التجربة أن المنحرفين والمذنبين يحسون أول الأمر بعدم الرضا عن حالهم ، ولكنهم يعتادون ذلك بالتدريج ، وقد يصل بهم الأمر إلى اعتبار أعمالهم القبيحة لازمة وضرورية ، وبتعبير آخر : هذا واحد من أنواع العقاب الذي يناله المصرون على العصيان ومعاداة الحق . وهؤلاء وصلوا حدا تصفه الآية فتقول : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، بل الأكثر من ذلك أنهم عندما يأتون إليك ، لا يفتحون نوافذ قلوبهم أمام ما تقول ، ولا يأتون - على الأقل - بهيئة الباحث عن الحق الذي يسعى للعثور على الحقيقة والتفكير فيها ، بل يأتون بروح وفكر سلبيين ، ولا هدف لهم سوى الجدل والاعتراض : حتى إذا جاؤوك يجادلونك أنهم عند سماعهم كلامك الذي يستقى من ينابيع الوحي ويجري على لسانك الناطق بالحق ، يبادرون إلى اتهامك بأن ما تقوله إنما هو خرافات اصطنعها أناس غابرون : يقول الذين كفروا إن هذا أساطير الأولين . الآية التالية تذكر أن هؤلاء لا يكتفون بهذا ، فهم مع ضلالهم يسعون جاهدين للحيلولة دون سلوك الباحثين عن الحقيقة هذا الطريق بما يشيعونه ويروجونه من مختلف الأكاذيب ، ويمنعونهم أن يقتربوا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : وهم ينهون عنه ، ويبتعدون عنه بأنفسهم : وينأون عنه ( 1 ) ، دون أن يدركوا أن من يصارع
--> 1 - " ينأون " من " نأى " بمعنى ابتعد .